يقول جبران خليل جبران: "تقوم الأوطان على كاهل ثلاثة، فلاحٌ يغذيه، جنديٌ يحميه، ومعلمٌ يربيه".
العلم رسالة، وإنسانيةُ فكر في قلب من يحمله وينشره، ذلك التربوي الذي يسيرُ وفق قراءاته لحاجات مؤسسته الواقعية، لا وفق تصفيق الأطراف التربوية، ذلك القائد الذي يدرك حاجات طلبته ومعلميه ويتبناها كحزمة ضوء ليحط بها على كتف التقدم والابداع للانطلاق بها نحو التميز والسمو.
يرى عالم النفس الروسي (ليفيكو تسكي) في إطار نظريته حول تطور الطفل أن الطفل يبني شخصيته من خلال تفاعله مع الأدوات الثقافية المحيطة به في المجتمع وتطوره هونتاج لتعلمه عن طريق هذا التفاعل الاجتماعي، مما يكسبه مجموعة من القيم والمبادئ والسلوكيات ويساعده على بناء مهاراته ومعارفه وسماته الشخصية، علمًا أنّ تعرّض التلميذ للضغوط السيّئة، يعيق بطريقة مباشرة أو غير مباشرة تطوّره ونموّه ويحول دون تحقيق توافقه النفسي والاجتماعي والمدرسي.
وكانت المدرسة هي المؤسسة التي عهد اليها المجتمع مهمة رعاية أبنائه وتنشئتهم وإكسابهم القيم والاتجاهات وأنماط السلوك البناّءة، إلى جانب إكسابهم المعارف والمهارات، حيث أن المدرسة لها أهدافها التربوية والاجتماعية التي تعمل على تحقيقها لخدمة البيئة والمجتمع.
 ولما كانت العلاقة بين كل شيء وكل شيء، الماضي والحاضر والمستقبل والخيال والواقع الشخصي والعام، والعلم والمجتمع والجزء والكل، كان لزامًا السعي الدائم الحثيث لاستشراف معاني التربية والعلم من ردم الماديات التي أمسكت بتلابيب الضمير الإنساني، حتى يتم تحقيق الجوَّ التربوي الآمن وتحقيق التنمية المدرسية.
ومن خلال بعض المواقف المتجنيّة واختزال التجربة التربوية العربية الفلسطينية في الداخل الفلسطيني الذين يقدر عددهم بمليون ونصف المليون نسمة، (أيتام على مأدبة اللئام)، وفقد البوصلة التربوية، وظهور الفجوة بين التطور العالمي ومدى وتيرة اللحاق بهذا الركب في سلوك الناشئة اليومي، كمجتمع أقلية أصبحت تتلاطم به التناقضات وتقوّضُ دعائمه الجرائم.
اذ أصبحت الشكوى هي الطائر المغرد في هذا المجتمع، من عنف، وتردٍ للأوضاع، ودياجير من الجهل في تنشئة الفرد.
وهنا كانت رحلة استكشاف تستلزم الذهاب لأراضٍ جديدة، حتى تتم الرؤية بعيون ثاقبة للبيئة المدرسية ولعالم الطالب والمعلم، ومن خلال المقابلات التي تم اجراؤها مع مجموعة من الطلاب من مختلف المراحل، الابتدائية، الإعدادية، والثانوية، من بلدات عدة من مختلف البيئات الجغرافية في الداخل الفلسطيني، اذ تبين أن العينة تشكومن معيقات وتحديات تحول دون الشعور بالطمأنينة والتكيف المدرسي, منها ما يتصل بالمعلم، كعدم الثقة بالنفس وعدم امتلاك الأساليب المحببة التي تمكّن الطالب من الابداع والتميز والخروج عن المألوف, وعدم التسلح بالمهارات والأدوات اللازمة, التي تمكنه من قيادة سفينته بأمن وأمان وكل ما يتمخض عن ذلك من عدم ثقة الطالب بمعلمه واهتزاز المشهد التعليمي ودور المربي في عيون طلبته, عدا عن التمييز في التعامل مع الطلبة وتفضيل طالب على آخر لاعتبارات شخصية على حد تعبيرهم. اذ يؤثر ذلك على علاقاتهم الصفية المدرسية بشكل غير مريح، ويؤدي بهم الى نهج سلوكيات وانفعالات وما ينبثق عنها من عنف وتنمر وغياب مؤداه التسرب والجنوح لعالم الجريمة، لاسيما وبأن مجتمعنا العربي بات لقمة سهلة مستساغة في فم العنف والجريمة، لا سيما في ظل جائحة كوفيد تسعة عشر.
كما وأردف المشاركون بأن للمعلم المتشائم الدكتاتوري دور في إعاقة بسط أجنحة الفهم وارتداء ثوب الحب المحفز على المضي قدمًا نحو التميز، اذ أن التفاؤل كما عرفه أوباما "التفاؤل ليس أعمى ساذجًا، بل هو ادراكك لقدراتك ولنواقصك وقناعاتك بأنك تستطيع".
وقال أحد المشاركين أن قيام المعلم بتصرفات يراها بالأمر الهين قد تكلف بعض الطلاب التسرب النهائي، كذكر علاماته أمام أقرانه مما يولد الشعور بالدونية والنقص وقد يكلفه ذلك الغياب دون رجعة.
كما وأشارت العينة الى معيقات تتعلق بأنظمة المدارس وقوانينها غير الحازمة الذاهبة في مهب الريح، ومن الأمثلة على ذلك، في بعض المدارس يتم التشديد في البدايات على التأخر الصباحي ويتم التحذير من خلال الاتصال بالأهالي ويتكرر المشهد كل صباح اذ لا قوانين رادعة، فقط تحذيرات لا أكثر، كما وأضافت العينة أن بعض المدارس ما هي الا مصانع علامات فحسب، قيمة العلامة تعلو على قيمة القيمة، وهذا بدوره يشكل عائقًا في طريق التكيف.
كما وأضافت العينة أن لوجود الجماعات المتنمرة والمسيطرة دورًا في إعاقة التكيف المدرسي وغياب الأمن والآمان النفسي الذي له دور في تشويش العملية التعليمية التَعلّميّة.
كما وشددت العينة على ضرورة إيجاد طرق رادعة يدفع فيها المتنمر ثمن تنمره.
كما وتبين أن من المعيقات والتحديات، المجتمع المحبط، والأسرة غير الداعمة والتي ينعدم فيها التشجيع مما يؤثر سلبًا على نفسية الطلبة وما يرافقه من تدنٍ في التحصيل، اذ أن فقدان التشجيع كفيل بأن يقتل الابداع للأبد.
كما وكان هناك فعالية تفريغ مشاعر للعينة لنتعرف على اتجاهاتهم نحو المدرسة، اذ كانت اجاباتهم تتراوح بين محبّ لمدرسته، وبين كاره لها، وبين ممجد وناقد لها.
اذ أجاب بعضهم أن المدرسة تشكل له الحضن الدافئ، والحصن الحامي، والملاذ الآمن، والمربي الجيد الذي يُعده لمستقبل زاخر بالتميز، ومنهم من اعتبرها حياة زاخرة بالحيوية والجمال لوجود أصدقاء لطفاء كسحابة صيف منعشة، ولأجل قائد تربوي مبدع.
ومنهم لا يريد ذكرها على لسانه لأنها بالنسبة له مكانَ قهر واستبداد وتسلط وظلم، وسبب في تدني تقديره لذاته.
رأت العينة أن من أهم المشكلات التي تواجه الطلبة داخل المدارس تنقسم الى سلوكية انفعالية، وتعليمية.
مشاكل سلوكية انفعالية: حيث أن هذه المشاكل باتت تقضّ مضجع المربين والمعلمين كونها من فاعلية التربوي والطالب داخل المدرسة مثل الغياب والتأخير، عدم الانتباه والتركيز بسبب معلم غير قادر على السير في سفينته في عرض بحر التربية والتعليم، أو بسبب طالب متمرد، ومن المشكلات السلوكية أيضًا عدم الانصياع لقوانين المدرسة، وكثرة الحركة، والسلوك العدواني، كالسبّ والشتم والضرب، وأيضًا منهم من أفصح عن مشاكل كالخوف والقلق والتوتر من الامتحان
اذ أن لهذه المشاكل انعكاس على أدائهم التحصيلي التعليمي، ويعيق المعلم من الوصول لتحقيق الأهداف المرسومة.
وأبدت العينة استياءها من انتشار التنمر والعنف بين طلبة المدارس في المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني الذي هو امتداد للعنف المجتمعي الذي أصبح وحشًا يتغذى على شلالات الدم الجارفة والسريعة.
وتبين من خلال إجابات العينة ضرورة أن يكون هناك اهتمام من جميع الأطراف التربوية بالطالب ونفسيته، لما في ذلك أثر في تنشئة جيل واع صحيح نفسيًا وتربويًا.
أشارت العينة الى أسباب تدني المستوى التحصيلي ومنها: -
*البيئة المدرسية بجميع أطرافها التربوية، من معلم وطرائق تدريس واسلوب تعامل مع طلاب باتوا في أمس الحاجة الى الكلمة الطبية والمحبة في ظل ما يعانيه المجتمع من أزمة ثقة، الى مربي الصف، والادارة.
*عدم دعم الأسرة للطالب.
*عدم متابعة الطالب وتركيزه لدروسه.
*التطور التكنولوجي وما تبعه من انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وقضاء جل وقت الطالب منشغلًا بها أو بالألعاب التكنولوجية المستجدة على الساحة العربية كالببجي وأخواتها، هذا له لأثر الأكبر في الكسل وعدم الدراسة.
وعندما تم سؤال العينة عن كيفية تعريفها للإساءة، أجاب مشاركون بأنه العنف الجسدي أو الكلامي أو عن طريق الايماء.
وأضاف آخرون أن الإساءة هي اعتداء على حقي بالتعبير.
وعبر المشاركون عن كيفية التصرف وقت الإساءة بأنهم يقتصون من المسيء بأنفسهم لأن هذا حقٌ لهم وعليهم الثأر بأنفسهم لأنفسهم ولا يجوز أن يلجأ الطالب منهم لأحد، الا أن أحد المشاركين أجاب بأنه يلجأ لمربي الصف وإذا لم ينصفه يلجأ للمرشد التربوي والإدارة.
تلك القراءات في عالم الطلبة استفزتني ودفعتي الى تقديم توصيات علّها تكون سحابة ممطرة: -
*الاصغاء والتعاطف مع الطالب، والاهتمام برأيه ومناقشته نقاشًا حيويًا عميقًا منفتحًا في مجالات فكرية واجتماعية متشعبة لا تعرف الحواجز والحدود تتجاوب من صميم التربية والتعليم الحديثة.
*كأطراف تربوية يجب العمل على على الجانب التربوي أولًا والتعليمي التحصيلي ثانيًا.
*يجب على المدرسة الانتباه للعلاقات والصحة النفسية لدى الطالب.
*التشجيع الدائم من البيت والمدرسة.
*التفكير بطرق بديلة واقعية ناجعة والعمل بها علّنا بذلك نسعى بأبنائنا نحو النجاح والتألق والرقي بمجتمع خالٍ من العنف والجريمة.
*اعداد أطراف تعليمية صحيحة نفسيًا وتربويًا تمتلك المهارات والأدوات المطلوبة لخلق جيل واع يتسم بالاتزان النفسي والتفوق العلمي.
*استثمار الأسرة وتوعيتها واعدادها تربويًا.
مربون تربويون كل في موقعه:
كونوا كما أنتم ازرعوا حبًا وسعادة وعطاء.
فلا يليق بكم غير هذا الغرس.
مباركة خطاكم وأنتم تزدادون ايمانًا بأن واجبكم المقدّس أن تعطوا مدارسكم وترتقوا بها نحو العلا.
كلية الدراسات العليا جامعة النجاح الوطنية نابلس
قسم علم النفس


المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العين يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية مقالات . لإرسال المواد يرجى إرفاق النص مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان : info@el3en.com